أخلاق العلماء وأثرها في الأمة – للشيخ : ( عبد العزيز بن باز )

أخلاق العلماء وأثرها في الأمة – للشيخ : ( عبد العزيز بن باز )
العلماء هم قادة الأمة، وخلفاء الرسل، وورثة الأنبياء، أخذوا على أيدي الأمة من حضيض المستنقعات والرذائل إلى الالتزام بشرع الله والتحلي بالفضائل، لكن لابد للعالم الرباني من أخلاق يتحلى بها حتى يكون قدوة للأمة، كالخشية والخوف من الله، والتواضع، ولزوم طلب العلم والدعوة إلى الله وغير ذلك من الأخلاق.
العلماء خلفاء الرسل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وبعد.. فنسأل الله تعالى أن يعيذنا جميعاً من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويخذل أعداءه.ثم أشكر القائمين على هذه المؤسسة على دعوتهم لي إلى هذا اللقاء، وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يبارك في جهودهم، وأن يعينهم على كل خير، وأن يتغمد الملك فيصل برحمته ورضوانه، وأن يرفع درجاته في المهديين، وأن يصلح ذريته وجميع الأسرة، وأن يوفق خادم الحرمين الشريفين لما فيه رضاه، ولما فيه صلاح المسلمين وسعادتهم في العاجل والآجل، وأن يوفق جميع الأسرة السعودية لكل ما ينفع المسلمين في دينهم ودنياهم، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن ينفع بهم العباد والبلاد.كما أسأله سبحانه أن يوفق علماء المسلمين في كل مكان لما فيه صلاح المسلمين، ولما فيه توجيههم إلى الخير، ولما فيه إرشادهم إلى أسباب النجاة، وأن يعينهم على أداء الواجب، وأن يصلح قادة المسلمين جميعاً ويوفقهم لتحكيم شريعته، والالتزام الشرعي بها، والاستقامة عليها، وأن يوفق جميع المسلمين لما فيه صلاحهم وسعادتهم في العاجل والآجل.أما موضوع المحاضرة فكما سمعتم هو: “أخلاق العلماء وأثر ذلك في المجتمع الإسلامي وغير الإسلامي أيضاً”.لا ريب أن العلماء الصالحين المهتدين هم خلفاء الرسل، وهم الدعاة إلى ما جاءت به الرسل من توحيد الله والإخلاص له، واتباع الهدي الذي جاءت به الرسل، وهم القادة في توجيه الناس إلى أسباب النجاة، وتحذيرهم من أسباب الهلاك.ولهذا روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين)، يبصِّرون بكتاب الله أهل العمى، وينذرونهم عواقب الجهل والظلم، والذود عن أسباب الهلاك، يدعونهم إلى مكارم الأخلاق، ويحذرونهم من مساوئ الأخلاق.المقصود أنه سبحانه وتعالى جعل العلماء هم الخلفاء للرسل، وهم الدعاة إليه، وهم المبصرون لعباده، فجدير بهم أن يؤدوا هذه الأمانة بكل عناية وإخلاص وصدق.والأثر الذي أشرت إليه: (ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين) ذكره ابن عبد البر رحمه الله، وذكره العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه مفتاح باب السعادة ، وأطال فيه رحمه الله، وله طرق.فأهل العلم هم الدعاة إلى الله، وهم المبصرون بكتاب الله أهل العمى، وهم الصابرون على الأذى، وهم النجوم التي يُهتدى بها في ظلمات الجهل والضلال والشكوك والأوهام، وهم -في الحقيقة- أهل خشية الله بعد الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.فأئمة الهدى ودعاة الحق هم الرسل في الطبقة الأولى، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم يليهم العلماء بالله وبدينه، والهداة إليه، وهم على مراتب وعلى طبقات أيضاً.وكلما كان العالم أعلم بما جاءت به الرسل، وأخلص وأصدق في العمل؛ كان أكثر قياماً بالخلافة، وأكثر تأسياً بالرسل، وأكثر أجراً، وأعظم ذكراً.
من أخلاق العلماء: خشية الله
رأس العلم خشية الله عزَّ وجلَّ، فإن من خشية الله أن يؤدي العالم ما يجب عليه، وكلما كانت خشيته لله أكمل صار إخلاصه أعظم، وصار أداؤه للأمانة أكمل، يقول عزَّ وجلَّ: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] أي: العلماء بالله، العارفين به، المعظمين لحرماته، البصيرين بكتابه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، فهم أفضل الناس خشية، وأكثرهم تعظيماً لله، وأقومهم بحقه بعد الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.فالحصر هنا للكمال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، أي: الخشية الكاملة، وإلا فمعلوم أن كل مؤمن وكل مسلم يخشى الله، وإن تفاوتت المراتب؛ لكن كل مسلم يخشى الله، ولهذا أسلم لله، وقام بما قام به من حق الله.وكلما كان المؤمن أخشى لله وأعظم خوفاً منه؛ صار قيامه بالواجب أكثر؛ ولكن العلماء بالله، المتبصرون في دينه، الفقهاء في شريعته، هم أفضل وأعظم الناس خشية، ولهذا قال عزَّ وجلَّ: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، أي: إنما يخشاه خشية كاملة العلماءُ به سبحانه وتعالى، القائمون بحقه، الفقهاء في دينه، المتبصرون في شرعه.وعلى حسب خشية العالم لله، وعلى حسب بصيرته، وعلى حسب استحضاره ما يجب عليه من أداء الأمانة؛ يكون توجهه للعلم وطلبه وازدياده من العلم، وعمله بالعلم في نفسه وفي غيره.فمن أخلاق العلماء البارزة العظيمة: الخشية لله سبحانه وتعالى، والتعظيم لحرماته، والنصح له ولعباده، تأسياً بالرسل عليهم الصلاة والسلام، وسيراً على منهاجهم العظيم، وأكثر الرسل وأعظمهم خشية وبلاغاً ونصحاً هو رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام، فهو إمامهم وسيدهم عليهم الصلاة والسلام جميعاً.وأكثر الناس خشية بعده، وأكملهم إمامة أكملهم في الاقتداء به، ومحبته، والسير على منهاجه، وهم صحابته رضي الله عنهم وأرضاهم، فهم خير الناس بعد الأنبياء، وهم أكمل الناس في خشية الله، والإخلاص له، والصدق في أداء حقه، وفي أداء الأمانة، وفي تبليغ ما علموه من الرسالة، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون، وأفضلهم وإمامهم: أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وعنهم، ثم الفاروق ، ثم ذو النورين عثمان ، ثم علي رضي الله عنه أبو الحسن ، ثم بقية الصحابة على مراتبهم، هم أفضل الناس خشية لله، وأعظمهم قياماً بحقه بعد الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم التابعون وأتباع التابعين على مراتبهم، وهؤلاء العلماء بعدهم، كل على ما منحه الله من العلم والبصيرة، وقوة في الحق، وأداء الأمانة.وكلما عظم الإخلاص والخشية لله عزَّ وجلَّ؛ انتشر العلم والعمل، وازداد الصبر والثبات، وعظُم الأثر في الناس.
من أخلاق العلماء: الإكثار من طلب العلم
ومن أخلاق أهل العلم: عنايتهم للزيادة من العلم، وعدم اقتناعهم بالقليل..فهم لا يزالون أبداً يطلبون العلم حتى الموت، كما قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114]، فهم يطلبون الزيادة ويسألون الله الزيادة، ويبذلون كل ما يستطيعون في طلب المزيد من العلم.. من المذاكرة، ومراجعة الكتب، وسؤال أهل العلم، وحضور حلقات العلم، والرحلة في طلب العلم، ولو إلى بلادٍ بعيدة، كما رحل موسى عليه الصلاة والسلام إلى الخضر لطلب المزيد من العلم، وكما رحل جمع من الصحابة إلى مصر و الشام وغيرها لطلب العلم.ومن أخلاق أهل العلم: الرحلة في طلب العلم، والجد في طلب العلم وطلب المزيد قولاً وعملاً، فهم يسألون الله المزيد ويعملون في طلب المزيد، من العناية بكتاب الله عزَّ وجلَّ تلاوة وتدبراً وحفظاً وتعقلاً، ومراجعةً لكتب التفسير، ومذاكرةً في ذلك، وهكذا في الحديث النبوي، وأصول الفقه، وأصول المصطلح.. وهكذا في غير ذلك ، هم دائماً وأبداً يطلبون المزيد، ويعملون المزيد من طلب العلم، لعلمهم وشعورهم بشدة الحاجة إلى ذلك، والله سبحانه يقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85]، فمهما طلب العلم ومهما اجتهد ومهما حرص، فهو لم يؤتَ إلا القليل، وعلم الله أوسع وأكثر.هكذا ينبغي لطالب العلم، وهكذا ينبغي للعالم المسئول، أن يكون حريصاً على طلب العلم، مع الاهتمام بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وعن طريق المذاكرة مع أهل العلم الذين يُرجى أن يكون عندهم من الفائدة ما لا يستغني عنها الشخص.
من أخلاق العلماء: التواضع
ومن أخلاقهم العظيمة: التواضع، وعدم التكبر؛ تأسياً بإمامهم وسيدهم محمد عليه الصلاة والسلام، فالعلماء هم أكثر الناس تواضعاً، اقتداءً بإمام المتقين وسيد المرسلين عليه الصلاة والسلام، فقد كان صلى الله عليه وسلم أكمل المتواضعين، وكان لا يستأنف ولا يستنكف أن يمشي مع الأرملة والمسكين حتى يقضي له حاجته، عليه الصلاة والسلام.وهكذا أهل العلم يتواضعون في طلب العلم، وإبلاغ العلم، وفي قضاء الحاجة للمسلمين، وبذلك نالوا المراتب العالية، والدرجات الرفيعة.يقول مجاهد رحمه الله وهو تابعي جليل: [لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر]، ذكره البخاري رحمه الله تعليقاً وتبويباً، وقد صدق في ذلك.فجدير بالعالم وطالب العلم أن يكون هكذا حريصاً على طلب العلم، متواضعاً في ذلك، لا يمنعه الحياء من أن يتفقه في الدين، ولهذا قالت أم سليم رضي الله عنها في الحديث الصحيح: (يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، إذا هي رأت الماء)، فقدَّمت هذه المقدمة قبل سؤالها: (إن الله لا يستحيي من الحق -ثم سألت- فقالت: يا رسول الله! هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، إذا هي رأت الماء)، أي: المني، وهكذا الرجل إذا رأى الماء في نومه، ليلاً أو نهاراً، وهكذا إذا خرج المني عن شهوة في غير النوم، مثل: التكفير، أو النظر، أو الملامسة، فعليه الغسل أيضاً.والمقصود من هذا أن الحياء لا ينبغي أن يَمنع من العلم، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها عند سماعها كلام أم سليم : [نِعْم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين].فلا ينبغي أبداً لمؤمن ولا لمؤمنة أن يمنعهما الحياء من التفقه في الدين، والسؤال عما أشكل، عن طريق الكتابة، أو الهاتف، أو أي طريق.
من أخلاق العلماء: العمل بالعلم
ومن أخلاق العلماء العظيمة: العمل بالعلم.. إذ المقصود من العلم هو العمل، وإلا صار حجة على صاحبه، وصار وبالاً وحجة عليه يوم القيامة، وليس بعالم من لم يعمل، فالعلم الحقيقي هو العمل, ولهذا فإن من أعظم أخلاق أهل العلم العمل بالعلم، وأن تُرى عليه آثاره؛ في كلامه، وفي أفعاله، وفي مدخله ومخرجه، وفي سفره وإقامته، وفي سائر أحواله.وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه (كان يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصِّر الخطبة، ولا يستنكف أن يمشي مع الفقير والمسكين والأرملة حتى يقضي حاجته)، خرَّجه النسائي بإسناد صحيح.هكذا العالم ينبغي أن يكون عاملاً بعلمه، متواضعاً، حافظاً وقته، كثير الذكر لله عزَّ وجلَّ، قليل الكلام اللاغي، يحفظ وقته من أي كلام لا فائدة فيه، ويجتهد في تطبيق ما علمه من شرع الله.. من أداء الفرائض، وترك المحارم، والوقوف عند حدود الله عزَّ وجلَّ، وهكذا العالم وطالب العلم الصادق، يحمله علمه وطلبه للعلم على المبادرة والمسارعة والعناية الكاملة بالعمل.ولما تخلف اليهود عن العمل غضب الله عليهم، وفضحهم، بسبب علمهم وعدم عملهم.. فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ [البقرة:90] نعوذ بالله!ونزه الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن صفات اليهود وعن صفات النصارى، فإن اليهود مغضوب عليهم لعدم عملهم بالعلم، ولإيثارهم العاجلة على الآخرة، فباعوا الآخرة بالدنيا، وآثروا الدنيا على الآخرة، وكتموا العلم، فباءوا بغضب على غضب، ولعنهم الله، وفضحهم في كتابه العظيم، والنصارى غلب عليهم الجهل والضلال، وأبوا البصيرة، فوصفهم بالضلالة في قوله في جلَّ وعَلا: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6]؛ وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون) .ونزه الله نبيه عن هذين الوصفين، فقال عزَّ وجلَّ: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:1-2]، صاحبنا هو محمد عليه الصلاة والسلام مَا ضَلَّ )[النجم:2]؛ لأنه على علم، وعلى هدىً، ليس بِجاهل، بل هو على علم وهدىً من ربه عزَّ وجلَّ.. وَمَا غَوَى [النجم:2] أي: ما خالف ما عنده من العلم، بل علم وعمل.فهو مهتدٍ ليس بضال ولا غاوٍ، عامل بعلمه، قائم بحق الله عليه، داعٍ إلى ذلك عليه الصلاة والسلام، فلهذا قال سبحانه: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:2] .فمن غلب عليه الجهل فهو ضال، ومن خالف العلم فهو الغاوي، قال سبحانه وتعالى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ [الشعراء:91]، الذين لم يعملوا بالعلم، بل خالفوا معالمه، وآثروا الدنيا على الآخرة، وقدموا شهواتهم وحظوظهم العاجلة على طاعة الله ورسوله.فالواجب على العالم أن يُعنى بالعلم، عملاً وسيرةً في جميع الأحوال، حتى تظهر آثار علمه عليه في أحواله كلها.وعلى طالب العلم أن يتأسى بأهل العلم في ذلك، فيعمل بما علم، ويجتهد في تطبيق أقواله وأعماله وسيرته على ما علم ؛ لأنه الآن طالب، وغداً عالم مسئول بين يدي الله.

عن admin

شاهد أيضاً

إسلام ٢ من الجالية الفلبينية

بحمد الله اسلم اثنين من الجالية الفلبينية في حي العقيق بمطعم شيز ، وذلك بتاريخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Facebook

Twitter

برنامج “رب اجعل هذا البلد آمنا