الصبر في طريق الدعوة -بن عثيمين رحمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن الحمد لله  نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما

أما بعد

لقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم  لما أنزل عليه قوله تعالى ( أقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق أقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) أنه بذلك صار نبياً من أنبياء الله ثم قتر الوحي ثم نزل عليه قوله تعالى ( يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فأهجر) فقام صلى الله عليه وسلم قام ممتثلاً لأمر الله متوكلاً عليه واثقاً به فأنذر الناس ودعاءهم إلى عبادة الله وكان بدء الدعوة سراً لما يخاف على نفسه فأمن به رجال من قريش وكان أولهم إسلاماً أبا بكر الصديق رضي الله عنه واسلم على يدي أبى بكر رضي الله عنه خمسة من المبشرين بالجنة اسلم على يده رضي الله عنه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وهؤلاء الخمسة مع أبي بكر وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة هم الثمانية الموصوفون بالسبق إلى الإسلام واسلم غيرهم كثير فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمع بهم سراً ويرشدهم إلى ما أرشده الله إليه من الإسلام في دار الأرقم بن أبي الأرقم لمدة ثلاث سنوات حتى أنزل الله إليه قوله (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر:94) فصعد صلى الله عليه وسلم على الصفا حينما أنزل عليه ذلك مع قوله وأنذر عشيرتك الأقربين فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي يا بطون قريش فاجتمع الناس إليه حتى كان الرجل إذا لم يستطع أن يأتي أرسل رسولاً لينظر الخبر فلما اجتمع الناس قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة فقال له عمه أبو لهب تباً لك الهذا جمعتنا وسخر به وبما قال فأنزل الله تعالى فيه سورة تبت يدا أبي لهب وتب سورة تقرأ في كتاب الله إلى يوم القيامة وما عند الله له من الخزي والعار يوم القيامة أعظم وأشد ثم أنزل الله على رسوله وأنذر عشيرتك الأقربين فجمعهم صلى الله عليه وسلم وقال لهم والله لو كذبت الناس كلهم ما كذبتكم وإني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة والله لتموتنّ ثم لتبعثن وتحاسبن ولتجزأون على أعمالكم وإنها لجنة أبداً أو لنار أبداً فتكلم القوم كلاماً ليناًَ إلا أبا لهب قال خذوا على يديه قبل أن تجتمع العرب عليه فإني سلمتموه  ذللتم وإن منعتموه قتلتم فمانعه أبو طالب وهو أخو أبي لهب وكلهم عم لرسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم مانعه أبو طالب وقال له والله لنمنعنه ما بقينا ثم انصرف الجمع بدون طائل ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل يدعو إلى الله تعالى علناً وجهراً وكان الناس يسخرون به يقولون هذا غلام عبد المطلب يكلم من السماء هذا ابن أبي كبشة ثم أنه صلى الله عليه وسلم جعل يسفه عقول المشركين ويبين بطلان عبادتهم للأصنام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب أكثر من مرة ليمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وهددوه فأشار أبو طالب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبقي عليه وعلى نفسه فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمه سيخذله فشق ذلك عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عم قال  يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ثم بكى وانصرف فناداه عمه وقال له يا ابن أخي قل ما اخترت فوالله لا أسلمك إليهم أبداً فاستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة وازداد أذى قومه له بالقول وبالفعل فكان أبو جهل إذا رآه يصلي نهاه وأغلظ عليه وقال له ألم انهك وكان مرة يصلي وحوله ملأ من قريش فقال بعضهم لبعض أيكم يعمد إلى جذور آل فلان فيأتي بدمها وسلاها فيضعه بين كتفي محمد إذا سجد فانبعث أشقى القوم فأتى به فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعه الشقي بين كتفيه فثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا والقوم يضحكون ويسخرون حتى جاءت ابنته فاطمة وهي جويرية صغيرة فألقت عنه السلى والدم فدعى الله تعالى عليهم على هؤلاء حتى قتلوا في بدر وسحبوا والقوا في قليبها ولله الحمد و كانوا يرمون القذر على باب النبي صلى الله عليه وسلم فيخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطرحه ويقول أي جوار أي جوار هذا واشتد أذى قريش لمن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يعذبون أصحابه يعذبونهم بالطعن والضرب والنار فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوي أصحابه ويشجعهم على الصبر قال لعمار بن ياسر وأهله وهم يعذبون صبراً يا آل يا سر فإن موعدكم الجنة ولما رأى اشتداد الأمر بأصحابه أذن لهم بالهجرة وقال تفرقوا في الأرض فإن الله سيجمعكم وأشار إلى الحبشة فهاجر إليها في السنة الخامسة من البعثة عشرة رجال وخمسة نساء ثم رجعوا بعد ثلاثة أشهر ولكن المشركين ما زال أذاهم يستمر وشرهم يستفحل فإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة مرة ثانية إلى الحبشة في السنة السابعة من البعثة فهاجر إليها فوق الثمانين من الرجال ودون العشرين من النساء فأكرمهم النجاشي وجعل لهم الحرية في دينهم أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فبقي في مكة يلاقي الشدائد والبلايا من أذية كفار قريش له وهو صابر محتسب منفذ لأمر الله وقد مات عمه أبو طالب وزوجته خديجة رضي الله عنها في السنة العاشرة من البعثة فاشتد الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم  حين فقد زوجته التي توفر عليه الأمور وعمه الذي يدافع عنه ثم خرج صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يدعو قبائل ثقيف إلى الإسلام فلم يجد منهم إلا السخرية والأذى و رموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه فرجع النبي صلى الله عليه وسلم  إلى مكة وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه انطلقت يعني من الطائف وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ثم ناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك ربك لتأمرني بما شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال رسول الله صلى عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً ثم دخل مكة صلى الله عليه وسلم في جوار المطعم بن عدي وصار يعرض نفسه على القبائل في المواسم كلها من يتتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له و بينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً فعرض عليهم الإسلام وتلى عليهم القرآن فلما رجعوا إلى قومهم   بالمدينة أخبروهم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشى فيهم فلما كان العام المقبل قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أثنى عشر رجلاً منهم فبايعوه وبعث معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام فكبر الإسلام في المدينة ولما كان العام المقبل قدم من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو سبعين رجلاً وامرأتان فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم إذا هاجر إليهم فكان في ذلك خير للإسلام وفخر عظيم للأنصار رضي الله عنهم أيها المسلمون إن فيما جرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبليغ دعوة الإسلام من الأذى والتعب والمشقة لعبرة لأولي الأبصار فاتقوا الله أيها المسلمون واعتبروا اعتبروا بما كان عليه هذا النبي العظيم من الأناة والحلم فهذا ملك الجبال يستأذنه أن يطبق على أهل مكة الأخشبين ولكن له النظر البعيد والحكمة التي هي أعلى حكمة في المخلوق قال إني لأرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً وقد حقق الله له رجاءه فخرج من أصلاب هؤلاء المشركين من عبدوا الله ولم يشركوا به شيئاً وزادوا عن الإسلام وحوزة الإسلام و الحمد لله رب العالمين واسأل الله أن يثبتنا جميعا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..

 

عن admin

شاهد أيضاً

إسلام ٢ من الجالية الفلبينية

بحمد الله اسلم اثنين من الجالية الفلبينية في حي العقيق بمطعم شيز ، وذلك بتاريخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Facebook

Twitter

برنامج “رب اجعل هذا البلد آمنا